السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
100
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
أمّا موقفه فلم يكن عن ارتياب ، ولا عن شقّ عصا ، ولا ابتغاء فتنة ، ولا إرادة قتال ، وإنّما فوجئ بهذه الغارة عليه من خالد في مستهلّ خلافة أبي بكر ، حيث كان الخلاف محتدما بين السابقين الأوّلين في أمر الخلافة . فأهل البيت وأولياؤهم كانوا فيها على رأي ، وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم وأتباعهم على رأي آخر . وكذلك الأنصار « الَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا » « 1 » حتّى غلب نقيبهم سعد بن عبادة على أمره فاعتزلهم ، واعتزل أمرهم يحلف باللّه أنّه لو وجد أعوانا عليهم لقاتلهم ، ثمّ لم تجمعه جمعتهم ولم يفض بإفاضتهم حتّى مات في حوران « 2 » . إلى كوارث اخر حول البيوت التي أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، أعني البيوت التي قال اللّه - عزّ وجلّ - في حقّها : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ » « 3 » ، وحول وديعة رسول اللّه وزهرائه ، وحول إرثها ونحلتها وخمسها ومجابهتها إيّاهم بكلّ حجّة بالغة ، إلى غير ذلك من الأمور التي أنذر بها القرآن الحكيم . فكان من الطبيعي لمثل مالك في عقله ونبله ومكانته في قومه أن يتربّص - والحال هذه - في النزول على حكم من يظهر في المدينة ويقهر خصومه على الخلافة حتّى يتبيّن له أنّه إنّما قهرهم بالحقّ ، وظهر عليهم باجتماعهم عليه بعد ذلك التنازع ، وبهذا - لا بسواه - تريّث مالك في دفع الزكاة باحثا عمّن تبرأ ذمّته بدفعها إليه . فكان عليهم أن يمهلوه مدّة تسع البحث عن هذه الحقيقة الغامضة في تلك الأوقات ، ولا يعاجلوه مفاجئيه بتلك النكبات ؛ فإنّه لم يكن ممّن أنكر الزكاة ، ولا ممّن فرّق بينها وبين الصلاة ، ولا ممّن استحلّ قتال أبي بكر أو غيره من المسلمين .
--> ( 1 ) - . الأنفال 72 : 8 . ( 2 ) - . راجع : تاريخ الطبري 222 : 3 - 223 ، حوادث سنة 11 ؛ الكامل في التاريخ 331 : 2 ، حوادث سنة 11 ؛ أسد الغابة 422 : 2 ، الرقم 2013 . وحوران : كورة واسعة من أعمال دمشق ، من جهة القبلة ذات قرى كثيرة . وراجع معجم البلدان 317 : 2 . ( 3 ) - . الأحزاب 53 : 33 .